Nasraneyat.com الأخبـــــار RSS

الرمزية بين الإسلام والنصرانية

نقلاً عن طريق الإسلام

كتبه رفاعي سرور

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

معنى الرمز:
الرمز هو تعبير خاص عن حقيقة أو معنى بالقول أو الإشارة أو الصورة أو الحركة لإظهار العلاقة بين التعبير ودلالته.
والقصد من كلمة "تعبير خاص" لإخراج الرمز من إطار التعبير الإنساني العادي، أما الحقيقة أو المعنى فهي "موضوع الرمز" الذي يجب أن تكون ثابتة وقابلة للإظهار الرمزي.
وأما القول أو الإشارة أو الصورة أو الحركة: فهي وسائل التعبير الرمزي وهي نفس وسائل التعبير الإنساني الطبيعي لتسهيل واختصار التعامل ونقل المعاني
والرمزية ضرورة نفسية لتجسيد المشاعر حول الحقيقة وتثبيتها في التصور.

الرمزية في الإسلام
والرمز في الإسلام له حد عقدي وهو: البعد عن ذات الله لأن الله ليس له َمَثل والرمزية َمَثل {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:74]
وباعتبار الرمزية طبيعة إنسانية صحيحة فقد ارتكزت الأحكام الشرعية عليها فكانت نشأة الرمز في التصور الإسلامي إما أن تكون من الحكم الشرعي إبتداءاً أو من الواقع الذي أقره الشرع إنتهاءاً مثل الآذان وهو من الأحكام الدالة على ثبوت حكم الإسلام للدار فأصبحت المأذنة بالتبعية رمزاً مستقراً في الواقع التاريخي والنفسي لديار الإسلام.
والذي يقابله نشأة الرمز من الواقع مثل رمز الراية المرفوعة في القتال التي توارثها الناس تاريخياً حتى أصبحت الراية المرفوعة رمزاً للنصر فأقر الإسلام هذا المعنى الرمزي وأثبته في نصوص شرعية كثيرة.
وباعتبار الأثر النفسي لرمزية الراية المرفوعة على النصر ارتكز الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الأثر في غرس الإحساس بالنصر والهزيمة أمام الشيطان كطرف غائب عن الإنسان وضرورة الإحساس بالنصر عليه فقال عليه الصلاة والسلام: «ما من خارج يخرج من بيته إلا ببابه رايتان, راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته،وإن خرج لما يسخط الله عز وجل اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته» [رواه أحمد والطبراني في الأوسط].
وبذلك تكون نشأة الرمز إما من الشرع أصلا أو من الواقع الذي يقره الشرع.
والمثل الجامع في العلاقة بين الرمز والواقع والشرع هو: الكعبة
فالكعبة لها إحداثيات واقعية مما جعلها رمزاً معبراً عن العلاقة الجامعة للواقع والشرع باعتبار إحداثياتها الكونية كمركز ثقل للكرة الأرضية وباعتبار الأمر من الله ببنائها والأمر من الله بالحج إليها والطواف حولها.

موضوعية الرمز في الإسلام
والموضوعية هي أهم خصائص الرمز في الإسلام.
وهي العلاقة الأساسية بين الرمز والحقيقة التي يعبر عنها.
ومن نماذج الرمز الثابتة في الشرع والمثبتة للموضوعية ما كان ليلة الإسراء والمعراج

اللبن والفطرة.. والخمر والغواية
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج «فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» [متفق عليه].
فعندما يقول جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم «أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ» يكون اللبن بهذا النص رمزاً للفطرة والخمر رمزاً لتغيرها.
ومن هنا كان الربط بين اللبن والفطرة والخمر والغواية وهو الوارد في سورة النحل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66].
والآية تفسر الفصل بين اللبن وبين الفرث والدم، كما يكون الفصل بين الهدى وبين الضلال فلا يختلطان، ثم جاء بعدها قوله عز وجل: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:67] فتبين الآية صورة لفعل الإنسان في تحويل الأشياء عن أصلها وتغير فطرتها مثلما يتحول الهدى بالاختلاف والابتداع عن طبيعته في عقول الناس وأفهامهم، وبالآيتين الأخيرتين يتحقق التقابل بين اللبن والخمر وهما المثلان الكونيان المضروبان للهدى وللغواية في حديث الإسراء والمعراج.
والذي يؤكد أن هذا هو المقصود من الآية هو قول الله عز وجل {سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً}؛ لأن السكر هو الخمر, والرزق الحسن هو أكل الثمر قبل أن يصير خمرا والتعقيب يؤكد ذلك بقول الله عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، إذ أن التعقيب يتفق مع عبرة تحول الأشياء إلى خمر كبداية للتحريم الشرعي، فالمقصود هو معنى التحويل كأساس للتحريم.
ولذلك يذكر ابن القيم هذه الحقيقة بصورة مباشرة فيقول: "الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء والإصلاح للغذاء والمنافع التي يصلح لها فهو خلي على حاله لم يكن إلا طاهراً صحياً ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكراً، فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شيء وأنجسه. فلوا انقلب خلا وزال تغير الماء كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى، فأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها، والله أعلم".

وكذلك المرائي التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج ومنها التعبير عن حقيقة الربا «وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، فيقول: من هذا يا جبريل؟ فيقول: هذا آكل الربا» [صحيح أخرجه البخاري في (التعبير / بـ تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح / ح 7047].
والملاحظة الهامة التي تساهم في معني الرمز هي قوله عن النهر «أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ» لم يقل من الدم لأنه صورة رمزية، فنجد الارتباط بين الدم والمال باعتبار أن الدم والمال هما شريان الحياة، ونجد الحجر الذي يلتقمه حتى يشبع لأنه لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وها هو يلتقم حجراً ونجد تكرار الموقف بين الشاطئين ليمثل كل شوط دورة من دورات الربا التي يضاعف بها المال كما يتضاعف الحجر.
«فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا» ثم يبين جبريل أنهم «الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي» وتماما مثلما يكون اللغط والأصوات في الفاحشة يكون في الصورة الرمزية لها
وتماما مثلما تأتي الشهوة من أسفل الزناة, يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَل مِنْهُمْ.

وبذلك كانت المرائي مثالاً للموضوعية في طرح القضايا الإسلامية الضخمة بأسلوب رمزي رائع ولعلنا نلاحظ روعة الأسلوب من المناسبة اللفظية بين الكلمات وبين الموضوع مثل كلمة «ضَوْضَوْا».
والضوه: الجلبة, وصوت الفحل الهائج والصوت يخْرُجُ من حَياءِ -فرج- الناقَةِ قَبْلَ خُروجِ الوَلَدِ، فتناسبت الكلمة المعبرة عن الرمز مع موضوعه وهو الزنا.

فاعلية الرمز في الإسلام
الفاعلية الوجدانية:
والعلاقة بين الرمز والمشاعر تفسرها طبيعة السلوك والتعبيرعند الإنسان، مثل القبلة الدالة على القبول والرضى والحب، ومثل البصق الدال على الرفض والكراهية، ومثل القذف بالحجارة (الرجم) الدال على العداء والرفض.
والرمزية في الإسلام تقوم في معناها على هذا التفسير الطبيعي ومن هنا كان تقبيل الحجر الأسود، وكان التفل وهو البصق الخفيف تحت قدم المصلي اليسرى عند وسوسة الشيطان، ومن هنا كان رجم الزاني مع كونه عقوبة فهو رفض اجتماعي للزنى والزناة، وكان رجم إبليس تعبيرا وجدانيا عن رفضه وكراهيته.

فاعلية الفهم:
ومن أهم صور الفاعلية الرمزية هو الفهم الناشيء عن الموقف الرمزي أمام من يعيشه أو يراه مثلما كان الغلام في قصة أصحاب الأخدود "فبينما كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل! فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فقتلها ومضى الناس".
ولقد أحسن الغلام في طلبه لليقين لما اختار حادث الدابة التي تسد على الناس الطريق إذ أن هذا الحادث وما تم فيه يعتبر بحق تجربة كاملة للدعوة بجوهرها وأبعادها كما تتضمنه التجربة من خلال القصة كلها.
فهناك دابة تسد على الناس طريق سيرهم ترمز في إحساس الغلام إلى أي طاغوت يسد على الناس طريق هدايتهم. فيأخذ حجراً ليكون رمزا للسبب في قتل هذه الدابة ويدعو الله مع أخذه بالسبب بأن يقتل الدابة إذا كان أمر الراهب أحب إليه من أمر الساحر فيقتلها ويمضي الناس فيعلم الغلام أن الحق الذي أكده قدر الله بقتل هذه الدابة هو الحق الذي عليه الراهب.
ومعنى استغلال الغلام لموقف الدابة التي تسد على الناس الطريق هو حياة الدعوة في كيان الغلام فهذه الحياة هي التي جعلته يلتقط الموقف بمعناه الكامل وأبعاده النهائية وهذا شأن الدعوة حينما تكون حياة الداعية فينظر إلى كل شيء من خلالها ويفسر بها أي معنى أو حدث لأنها عقيدته وتصوره وواقعه وليست رغبة شخصية قد تتغير أو ميلاً بالفكر قد ينسى.

وموقف لقاء موسى مع ربه سبحانه وتعالى مثالا لتلك الفاعلية؛ حيث ارتبط الموقف بالعصا التي كانت في يده {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17].
وتجربة العصا هي نفسها مضمون قصة موسى مع فرعون، فالعصا مع موسى كانت منافع كما كان فرعون قبل بداية الصراع هو أيضًا منافع وتربية، وكما تحولت العصا بمنافعها إلى حية كان ذلك مثل تحول فرعون عن موسى إلى موقف محاولة القتل، وكان فرار موسى من الحية كفراره من فرعون.
والآن يجب أن يعود موسى إلى الحية بوعد من الله أن تعود إلى سيرتها الأولى؛ قال تعالى: {خُذْهَا ولا تَخَفْ سَنُعيِدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه: 21].
وكذلك يجب أن يعود موسى إلى فرعون بوعد من الله بحفظه من فرعون؛ قال تعالى: {لَن يَصِلُوا إلَيْكَ} [هود: 81]، وقال أيضًا: {لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
وكما أعاد الله الحية عصا.. عاد فرعون عاجزا عن قتل موسى.
لقد كان من المتوقع أن يقتل فرعون موسى بمجرد أن يراه؛ لكنه لا يزيد عن قوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} [غافر: 26].
ومن أجل ذلك كان الأمر الموجه إلى موسى من الله سبحانه وتعالى بالرجوع إلى العصا كان بصفته "من المرسلين" {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10]؛ ليكون الأمر بالرجوع إلى العصا بمقتضى الرسالة وبصفته "رسول"؛ لأن الرجوع إلى العصا في حقيقته تجربة رمزية كاملة للعودة إلى فرعون.

فاعلية الرؤى:
وباعتبار الرؤى من أهم صور الرمزية كان الشرع فاصلا بين رؤى الحق من الله وحلم الشيطان التي سترتكز عليها الرمزية الوثنية والنصرانية بصورة واسعة كما سيتبين إن شاء الله.
ومن هنا كان من أهم صور الفاعلية الرمزية التأسيس عليها في النظام الإسلامي وإلتزام الدلالة المنهجية للرمز فيها مثلما كان من عمر بن الخطاب
عن عطاء بن السائب قال: حدثني غير واحد أن قاضيا من قضاة الشام أتى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفظعتني، قال: ما هي؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين، قال: فمع أيتهما كنت؟ قال : كنت مع القمر على الشمس، فقال عمر: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 12] فانطلق فو الله لا تعمل لي عملا أبدا" [رواه ابن أبي شيبة].

الرمزية الوثنية:
وباعتبار أن الوثنية هي التناقض المطلق مع الحق كان الرمز الوثني تعبيرا عن هذا التناقض.
والرمزية الوثنية بكل صورها تكون في المسافة التي يتم بها الانتقال بالإنسان من هذا الحق إلى تلك الوثنية والمثال التاريخي الواضح في ذلك هو عبادة اللات والعزى ومناة حيث روى البخاري عن ابن عباس: «ود وسواع وغوث ويعوق ونسر: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا» وفي رواية: «فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت».
فكان الصنم في البداية مجرد شيء يذكر بالناس الصالحين ثم تحولت هذه التماثيل في عقيدة الناس إلي آلهة [التحرير والتنوير - (ج 1 / ص 4578)]
ولكن الوثنية لها حضارات ولتلك الحضارات نموذج جامع وهي الفرعونية.
ومن هنا كانت الفرعونية هي أخطر نموذج لتفسير الرمزية الوثنية حيث يكون فيها التناقض مع الحق مضموناً أساسياً عاماً لها وأول حقائق هذا المضمون هو شيطنتها.
وقد اتفقت جميع الديانات القديمة على عبادة الأفعى والشمس, تلك الظاهرة التي أقر بها جميع المؤرخين إذ يقول علماء الأديان القديمة: "إن الإنسان البدائي عَبَدَ الأفعى والشمس, وأن هذا التقديس نجده في جميع الحضارات التي أحاطت بالجزيرة العربية في عصور ما قبل التاريخ تقريباً, سواء كانت الحضارة المصرية القديمة, أم الحضارة البابلية, أم الهندية, بل إن شعوب أفريقيا وغربها وشعوب أمريكا تشترك معها في هذه العقيدة كما اتخذ المصري القديم الأفعى رمزاً طوطمياً جاعلاً منها المعبود".
ثم نأتي إلى إثبات العلاقة بين الشمس والأفعى, فأسماء الأفعى وصفاتها في العبادات تكاد تتفق مع أسماء الشمس وصفاتها في الديانة العربية القديمة؛
فكانت الشمس في العبادات العربية القديمة تسمى "ذات الغدران" و "ذات اللون الذهبي" وهي أسماء وصفات خلعتها الحضارات القديمة على الأفعى فهي "ربة الغدران" "ربة المياه" وهي "المعبودة النبيلة ذات اللون الذهبي", وهي "الحارسة" أو "الحامية" أو "الحافظة".
والربط بين اللات إلهة الشمس والحية ذكره صاحب لسان العرب في مادة "لوه" فيقول: "إن اللاهة هي الحية العظيمة وأن اللات اسم المعبودة وربما أخذ اسمه منها".
وفي جميع القارات وجميع الحضارات وجميع الأزمنة دون ما أدنى علاقة بين الشمس والحية.
ودون أي صلة بين جميع القارات, وجميع الحضارات على مدى الزمن المقدر بآلاف السنين الذي تمت فيه عبادة هي الرموز الثلاثة؛ وهنا يقول التفسير الإسلامي للتاريخ كلمته الحاسمة والنهائية: إبليس هو العلاقة، إبليس يعيش الوجود البشري كله من خلق آدم وحتى يوم يبعثون، إبليس هو المصدر الذي أوحى بعبادة هذا الرمز في كل القارات والأزمنة المتباعدة.
وهل يجوز لأي عاقل أن يقول غير هذا في تفسير هذه الظاهرة التاريخية الصارخة؟

الرمزية عند النصارى:
تبين أن الشمس والحية هما أكبر رمز وثني، والعلاقة الوثيقة بين الوثنية والنصرانية يؤكدها من الناحية الرمزية العلاقة بين الشمس كأكبر رمز وثني وبين الصليب كأكبر رمز نصراني وهي العلاقة التي كشفها الحلم الذي حلمه قسطنطين الذي كان يصلي لآلهة الشمس واحتفظ بلقب كبير حراس عبادة الآلهة أو كبير كهنة الآلهة.
يقول "ول ديورانت": "أنه كان وثنيا مع الوثنيين، وأريوسيا مع الأريوسيين، وإسناثيوسيا مع الإسناثيوسيين؛ لتحقيق أغراضه السياسية".
وهو أول من رفع شعار الصليب بعد أن حلم حلما رأى فيه شكل الصليب بجوار الشمس وسمع من يقول له بهذا الرمز ستنتصر وقام على إثره برفع الصليب كشعار للنصرانية.
وكذلك أخذت الحية نفس الصفة الرمزية للشمس في النصرانية فقال الرب لموسى: "اصنع لك حية محرقة وضعها على راية فكل من لدغ ونظر إليها يحيا، فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية فكان متى لدغت حية انسانا ونظر إلى حية النحاس يحيا" (العدد 21: 5-9).
"ويأتي حزقيا بن أحاز ليجد اليهود يعبدون الحية ويعظمونها ويوقدون لها النيران فيكسر التماثيل ويسحق الحية (4) هو أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى لأن بني اسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ودعوها نحشتان" (ملوك ثاني: 18/4)

تشبيه العهد الجديد للمسيح بالحية:
"وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان (15) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا: 3/14).
يقول القديس أبيفانوس: "إن الحية تمثل المسيح".
ويقول القديس أوغسطينوس: "إن رفع الحية هو موت المسيح" وغيرهما (اقرأ شرح انجيل يوحنا الجزء الأول ص 228).
وهناك من يعترض على دلالة رمز الحية على المسيح مثل الأب متى المسكين حيث قال: "لقد راجعنا الآباء في ما قالوه عن الحية النحاسية, غير أننا لم نعثر على كبد الحقيقة. إن هذه الآية إن حملت على معناها الظاهر منها, فهي تشكل إدانة صريحة للسيد المسيح عليه السلام لا فضيلة له, لما تحويه الحية من رمز "للخطيئة", ورفعها لشفاء الناس من لدغ الأفاعي يعني أنه لا يمكن الشفاء إلا بجنس المرض" (شرح إنجيل متى للمسكين الجزء 1 ص 228).
ولكن مثل هذه الاعتراضات الثانوية لا تلغي الصفة الأساسية لوثنية الفكر النصراني التي تنكشف بمثل هذه التحريفات القديمة والباقية. وقد جاءت الرمزية الوثنية إلى النصرانية المحرفة من الإلغاء العقلي الذي جعل من الأسلوب الرمزي في غيبة العقل منهجا عاما للتفكير.
فعندما ُيفسر النص القائل: "لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان" من نشيد الإنشاد بالقول أن الثدييين هما العهدين القديم والجديد تفسير القمص يعقوب ملطي
لا نجد أساسا للرمزية.
فما هي العلاقة الواقعية أو الطبيعية أو الموضوعية أو الوجدانية بين الثديين وبين العهدين القديم والجديد؟
وبذلك أصبح التفسير الرمزي في النصرانية من أكبر عوامل التحريف.
أما البداية الأساسية للرمزية الوثنية في النصرانية المحرفة فقد كانت بلا شك بدعة التجسد.

التجسد والرمزية الوثنية:
ذكرنا أن الرمزية الوثنية بكل صورها تكون في المسافة التي يتم بها الانتقال بالإنسان من التوحيد إلى الوثنية مثل انتقال الشيطان بالإنسان إلى عبادة الأصنام
وعقيدة التجسد عند النصارى هي نفس المسافة بصورتها الكاملة؛ لأن التجسد يعني أن تكون الحقيقة والرمز المعبر عنها شيئاً واحداً؛ ذلك لأن الله - بحسب زعمهم - تجسدت في صورة إنسان يعني أن "الله" حقيقة والصورة الرامزة إليها "المسيح" هي أيضا نفس الحقيقة.
ولما أصبح التعامل عندهم مع الرمز والموضوع كحقيقة واحدة صارت الوحدة بين الرمز والحقيقة مسألة اعتقادية يجب التسليم بها ولايمكن مناقشتها
ومن هنا كان قولهم "إن الرمزية المسيحية مُؤسسة على الكلمة المتأنس ابن الله الذى تأنس واتحد بالمخلوق بدافع من محبته وعبر هذه الهوة بين المخلوق وغير المخلوق. وبدون التجسد سيظل أى رمز عاجزًا عن عبور الهوة بين المخلوق والخالق (انظر أى 32:9).

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية
د.جورج عوض إبراهيم
وتحت هذا المعني كانت كل الطقوس الخاصة بأسرار الكنيسة
فالتناول - وهو من أهم هذه الطقوس - هو أن يؤمن الناس أن الفطيرة بعينها هي المسيح بعينه.
المسيح نفسه الذي أعطاهم الخبز كان هو الخبز نفسه، ولذلك يشهدون في سر التناول شهادات عدة أن الخبز نفسه هو المسيح ذاته، ولكن الشك لا ينعدم بل ويفرض نفسه على خطاب الكاهن. وذلك عندما يقول "أمين أمين أمين أمين أؤمن أؤمن أؤمن أؤمن" فيخرج الكاهن عن العدد ثلاثة التقليدى الثابت عند النصارى.
ويقول: وأعترف إلى النَفَس الأخير أنّ هذا (مشيراً إلى الخبز) هو جسد المسيح ودمه.
ويجمع كل التناقضات والشكوك التي يمكن أن تساور من يسمع الخطاب فيقول: "بالحقيقة أؤمن أنّ لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين"
ثم يعود ويكرر "أؤمن أؤمن أؤمن أنّ هذا هو بالحقيقة آمين".
وهل يبقى عندهم القول بأن الخبز نفسه هو المسيح ذاته عندما يهضم الخبز ويختلط جسد المسيح ببقايا الطعام التي في المعدة؟
نعم يبقى.. ولذلك كانت هناك إحتياطات طقسية دقيقة منها الصيام قبل التناول وبعده حتى لا يختلط جسد المسيح ببقية الطعام، ومنهاعدم البصق بعد التناول حتى لا يخرج شيء من جسد المسيح من فم المتناول، ومنها عدم إخراج أي بقية من الخبز تكون عالقة بين الأسنان بأصابع اليد حتى لا تلمس يد المتناول جسد المسيح "المقدس" الذي يكون بين الأسنان.
وهذه البقية التي تكون بين الأسنان اسمها "الجوهرة" وهذا الإسم له مغزى وهو: الإعتقاد بأن البقية التي تكون بين الأسنان هي من جوهر المسيح
وعندما يأكل المسيحي القربان يكون المسيح قد دخل فيه.
ومن هنا يأتي التحذير النصراني من التبرع بالدم للمسلم؛ لأنه بهذا التبرع سيدخل المسيح جسد المسلم، علما بأن المسيح نفسه لم يمنع التلميذ الخائن من التناول بل وأعطاه اللقمة بيده فكان أول من أكل لحم المسيح ودمه هو التلميذ الخائن بل كان أكل لحم المسيح ودمه هو علامة الخيانة "أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي"

2008-08-19 00:16

علماؤنا: هل أنتم مقصرون؟؟

محمد أبو الهيثم : نقلا عن موقع طريق الإسلام
لما تنازل المسلمون كمجتمعات عن شريعة ربهم واتبعوا أهوائهم إلا من رحم ربي, ولما ترك جل العالم الإسلامي سنة نبيهم ونهجه القويم واتبع الملأ والثلة المتنفذة المسيطرة على الإعلام الرسمي السنن الصهيوصليبية, والفلسفات الاستشراقية البابوية, و خلعوا أسباب عزتهم الحقيقية, هانوا ووهنوا, وامتطتهم الأمم السافلة, ممن لا دين له ولا خلاق, ولما ازداد الضعف, زادت معه شهية الأعداء للنيل من عقيدة المسلمين بعدما نجحوا في نيل دنياهم, فبعد احتلال أراضي المسلمين طمع القوم في احتلال قلوبهم, فحشدوا جحافلهم وأعدوا عدتهم لتنصير المسلمين, محاولين إطفاء نور الله, ولكن هيهات هيهات, فنور الله لا يعلوه نور, وفجر الإسلام لا محالة قادم والمبشرات كثيرة تترا, ولكن هذه الأماني لابد لها من رجال يحملون الأمانة التي ناءت الجبال عن حملها وأشفقن منها, رجال كرعيل الأمة الأول, رجال سيماهم وأفعالهم كسيما وأفعال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليهم الرضوان, وهؤلاء من أخذ الله تعالى عليهم العهد والميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه قال تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187].

فحماية عرين الإسلام واجب حتمي على علماء الأمة اليوم, وصد الهجمة التنصيرية الشرسة فرض لا مناص منه, وإن لم يقف له علماء الإسلام الأبرار ورثة الأنبياء فمن له إذن؟؟

لذا فأي تأخير في صد هذه الهجمات أو خوف على دنيا أو تأويل فاسد بحساب مصلحة مرجوحة إنما يصب في مصلحة الأعداء.

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران187]: وَفِي هَذَا تَحْذِير لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكهمْ فَيُصِيبهُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَيَسْلُك بِهِمْ مَسْلَكهمْ فَعَلَى الْعُلَمَاء أَنْ يَبْذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعِلْم النَّافِع الدَّالّ عَلَى الْعَمَل الصَّالِح وَلَا يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث الْمَرْوِيّ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْم الْقِيَامَة بِلِجَامٍ مِنْ نَار».

والواقع يشير بجلاء ووضوح تامَّيْن أن أعداء الأمة ليس لهم على الحقيقة بضاعة وإنما تروج سوقهم برواج جيوشهم, فإذا ما ضعف المسلمون وانكسرت شوكتهم أخرج القوم الرؤوس من الجحور وبدءوا ينفثون سمومهم في وجه أهل الإسلام لما تأكدوا من ضياع "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن", وهنا وجب على أهل {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} وهم العلماء أن يقوموا بما لم يقم به السلاطين من دفع جحافل التنصير والتغريب و دعاة تشويه عقائد المسلمين.

قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

جاء في تفسير ابن كثير حول هذه الآية: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وَلَيْسَتْ الْيَهُود يَا مُحَمَّد وَلَا النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْك أَبَدًا فَدَعْ طَلَب مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقهُمْ وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَب رِضَا اللَّه فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَك اللَّهُ بِهِ مِنْ الْحَقّ وَقَوْله تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى} أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد إِنَّ هُدَى اللَّه الَّذِي بَعَثَنِي بِهِ هُوَ الْهُدَى يَعْنِي هُوَ الدِّين الْمُسْتَقِيم الصَّحِيح الْكَامِل الشَّامِل قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى} قَالَ: خُصُومَة عَلَّمَهَا اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْل الضَّلَالَة قَالَ قَتَادَة: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول: «لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه» قُلْت: هَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو {وَلَئِنْ اِتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ بَعْد الَّذِي جَاءَك مِنْ الْعِلْم مَالَكَ مِنْ اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير} [البقرة:120] فِيهِ تَهْدِيد وَوَعِيد شَدِيد لِلْأُمَّةِ عَنْ اِتِّبَاع طَرَائِق الْيَهُود وَالنَّصَارَى بَعْد مَا عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآن وَالسُّنَّة عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْخِطَاب مَعَ الرَّسُول وَالْأَمْر لِأُمَّتِهِ وَقَدْ اِسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء بِقَوْلِهِ: {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتهمْ} [البقرة:120] حَيْثُ أَفْرَدَ الْمِلَّة عَلَى أَنَّ الْكُفْر كُلّه مِلَّة وَاحِدَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين} [الكافرون: 6] فَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَارَث الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّار وَكُلّ مِنْهُمْ يَرِث قَرِينه سَوَاء كَانَ مِنْ أَهْل دِينه أَمْ لَا لِأَنَّهُمْ كُلّهمْ مِلَّة وَاحِدَة وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد فِي رِوَايَة عَنْهُ وَقَالَ: فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَقَوْلِ مَالِك إِنَّهُ لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ شَتَّى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم .

قال الإمام القرطبي في تفسيره حول نفس الآية:
الْمَعْنَى: لَيْسَ غَرَضهمْ يَا مُحَمَّد بِمَا يَقْتَرِحُونَ مِنْ الْآيَات أَنْ يُؤْمِنُوا, بَلْ لَوْ أَتَيْتهمْ بِكُلِّ مَا يَسْأَلُونَ لَمْ يَرْضَوْا عَنْك, وَإِنَّمَا يُرْضِيهِمْ تَرْك مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام وَاتِّبَاعهمْ. يُقَال: رَضِيَ يَرْضَى رِضًا وَرُضًا وَرِضْوَانًا وَرُضْوَانًا وَمَرْضَاة, وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْوَاو, وَيُقَال فِي التَّثْنِيَة: رِضَوَانِ, وَحَكَى الْكِسَائِيّ: رِضَيَانِ. وَحُكِيَ رِضَاء مَمْدُود, وَكَأَنَّهُ مَصْدَر رَاضَى يُرَاضِي مُرَاضَاة وَرِضَاء. "تَتَّبِع" مَنْصُوب بِأَنْ وَلَكِنَّهَا لَا تَظْهَر مَعَ حَتَّى, قَالَهُ الْخَلِيل. وَذَلِكَ أَنَّ حَتَّى خَافِضَة لِلِاسْمِ, كَقَوْلِهِ: {حَتَّى مَطْلِع الْفَجْر} [ الْقَدْر: 5] وَمَا يَعْمَل فِي الِاسْم لَا يَعْمَل فِي الْفِعْل أَلْبَتَّةَ, وَمَا يَخْفِض اِسْمًا لَا يَنْصِب شَيْئًا. وَقَالَ النَّحَّاس: "تَتَّبِع" مَنْصُوب بِحَتَّى, و {حَتَّى} بَدَل مِنْ أَنْ. وَالْمِلَّة: اِسْم لِمَا شَرَعَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ فِي كُتُبه وَعَلَى أَلْسِنَة رُسُله . فَكَانَتْ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة سَوَاء, فَأَمَّا الدِّين فَقَدْ فُرِّقَ بَيْنه وَبَيْن الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة, فَإِنَّ الْمِلَّة وَالشَّرِيعَة مَا دَعَا اللَّه عِبَاده إِلَى فِعْله, وَالدِّين مَا فَعَلَهُ الْعِبَاد عَنْ أَمْره.

تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَة جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد وَأَحْمَد بْن حَنْبَل عَلَى أَنَّ الْكُفْر كُلّه مِلَّة وَاحِدَة, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِلَّتهمْ} فَوَحَّدَ الْمِلَّة, وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين} [ الْكَافِرُونَ : 6 ], وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام: «لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ» عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْإِسْلَام وَالْكُفْر, بِدَلِيلِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «لَا يَرِث الْمُسْلِم الْكَافِر». وَذَهَبَ مَالِك وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِلَى أَنَّ الْكُفْر مِلَل, فَلَا يَرِث الْيَهُودِيّ النَّصْرَانِيّ, وَلَا يَرِثَانِ الْمَجُوسِيّ, أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «لَا يَتَوَارَث أَهْل مِلَّتَيْنِ»، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {مِلَّتهمْ} فَالْمُرَاد بِهِ الْكَثْرَة وَإِنْ كَانَتْ مُوَحَّدَة فِي اللَّفْظ بِدَلِيلِ إِضَافَتهَا إِلَى ضَمِير الْكَثْرَة, كَمَا تَقُول: أَخَذْت عَنْ عُلَمَاء أَهْل الْمَدِينَة- مَثَلًا- عِلْمهمْ, وَسَمِعْت عَلَيْهِمْ حَدِيثهمْ, يَعْنِي عُلُومهمْ وَأَحَادِيثهمْ.

{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة120]
الْمَعْنَى: مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّد مِنْ هُدَى اللَّه الْحَقّ الَّذِي يَضَعهُ فِي قَلْب مَنْ يَشَاء هُوَ الْهُدَى الْحَقِيقِيّ, لَا مَا يَدَّعِيه هَؤُلَاءِ.

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]
الْأَهْوَاء جَمْع هَوًى, كَمَا تَقُول: جَمَل وَأَجْمَال , وَلَمَّا كَانَتْ مُخْتَلِفَة جُمِعَتْ , وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَفْرَاد الْمِلَّة لَقَالَ هَوَاهُمْ. وَفِي هَذَا الْخِطَاب وَجْهَانِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ لِلرَّسُولِ , لِتَوَجُّهِ الْخِطَاب إِلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلرَّسُولِ وَالْمُرَاد بِهِ أُمَّته, وَعَلَى الْأَوَّل يَكُون فِيهِ تَأْدِيب لِأُمَّتِهِ, إِذْ مَنْزِلَتهمْ دُون مَنْزِلَته. أ هـ.

فهل قام العلماء بما يجب عليهم إزاء حرب ضروس كرس الأعداء فيها كل قوتهم لحرب أبناء الإسلام؟
للإجابة على هذا التساؤل بواقعية تامة علينا أن نعود لمائة عام مضت, انكسرت فيها الخلافة, وظهر فيها بنو علمان أبناء أتاتورك وتلاميذ دانلوب, ومتبعي سنن ماركس ولينين, واعتلى فيها عروش الإسلام من باعوا دينهم بدنياهم إلا من رحم الله, بدلوا الشرائع وعذبوا الدعاة والعلماء وقتلوا بعضهم ونفوا البعض, وذاقت من شرهم الدعوة الإسلامية الكثير والكثير.

وبالرغم من هذه الجهود المضنية والإمكانيات الهائلة التي كرسها أعداء الإسلام من اليهود والنصارى الذين اختلفوا في كل شيء و اتحدوا على عداء الإسلام ما بقوا ومن جهة أخرى كان أذنابهم في بلاد المسلمين ممن تربوا على أعين الفكر الصهيو صليبي لأمتهم بالمرصاد, بالرغم من كل هذا عاد لهم الإسلام من جديد, فعاد الحجاب, وبدأت المساجد تمتلئ بالشباب, ليموت الأعداء بغيظهم ويتحقق فيهم موعود الله {الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].

و مع عودة الأمة ووضوح البشائر, لم تزل مرارة الحرب الضروس بادية على العلماء, ولم تزل آثار التعذيب والتشريد والنفي والإيذاء بادية على بعض الأقوال والمواقف, حتى صار البعض يكتفي بموقف المدافعة ورد الاتهام عن الإسلام وحسب وكأن الإسلام في موقف الاتهام الدائم, والبعض يكتفي بالدعوة إلى الأخلاق والمثل دون جوهر العقيدة وتغيير الواقع الأليم الذي تئن منه الأمة وتشتاق للتحاكم للشريعة الغراء, ولا زال بقية من العلماء ثابتين راسخين لكن صوتهم ضعيف لا يصل للجماهير العطشى إلا في حالات نادرة, ومع شعور الأعداء بما ألم بكثير من العلماء إلا من رحم الله تجرأ الكثير منهم على الإسلام وعقيدة الإسلام حتى وصل الاستهزاء ليطال رسول الإسلام بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه, ونشط المنصرون في بث شبهاتهم في أوساط المسلمين مستغلين جهل الجهلاء وضعف العامة أمام الشبهات, واكتفاء الكثير من العلماء بدعوة الناس دعوة ناقصة.

ولا شك أن الأنظمة الحاكمة في كثير من بلاد المسلمين ساهمت في إثراء هذه الروح القتالية للأعداء من خلال ضغوطهم على العلماء, حتى صار إيضاح فساد عقائد النصارى فتنة طائفية, بينما سب النصارى لدين المسلمين وبث الشبهات حوله حرية, فالأنظمة تخاف شوكة الغرب وآلتهم العسكرية والنصارى واليهود ينتهزون الفرصة ويتقوون بمعسكر الغرب الكافر.

ولكن يا علماء الإسلام حفظكم الله لازالت القلوب تتوق لمواقفكم وتثق في تقواكم, وفي أنكم مهما نالكم من أذى وابتلاء فانتم أسد الإسلام وحراس العقيدة, ولن تأخذكم في الله لومة لائم ولابد سوف تقودوا الأمة كما قادها في كبوتها من قبل العز بن عبد السلام وابن تيمية.

علماؤنا الأجلاء أنتم رجال المواقف والأمة تنتظركم, وأذكركم بموقف الإمام أحمد لما رفض الأخذ بالرخصة خوفاً من أقلام تنتظر حرفاً من فمه تطير به الركبان, فحفظ الله به دينه في وقت محنة أضحت بثبات العالم منحة.

علماء الإسلام: إن الثلة التي تتصدى للتنصير اليوم في الغالب هم من الدعاة الصغار من أبناءكم, ممن يأملون توجيهكم ويحتاجون لحكمتكم وعلمكم لتزدان بهما عزائمهم وتتكلل بهما جهودهم, فعلمكم وحكمتكم مع حماس الشباب وعزمهم يثمر الكثير بإذن الله.

فهل ننتظر منكم مناصرة للحق ومطالبة بشريعة السماء ووقوفاً في وجه المنصرين, ودعوة ملوك الأرض للخضوع والانصياع لملك السماوات والأرض.

علماؤنا يا حبة العين وتاج الرؤوس ننتظركم فهلا أجبتم وأريتمونا ما نحب ونأمل.

2008-05-30 12:10

الكاثوليك .. الأرثوذكس .. المارون .. و البروتستانت

فيما يلي تهذيب واختصار وتقريب لما جاء في كتاب " الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام " للدكتور علي عبدالواحد وافي ، عن فرق النصارى والتعريف بها ، وجدتُ أنه قد أجاد عرضه بوضوح وسلاسة ؛ حفزتني على نقله للقارئ لعله يستفيد منه .

ومن أراد المزيد فعليه بأصل الكتاب ، أو رسالة الدكتور سعود الخلف - حفظه الله - " دراسات في الأديان : اليهودية والنصرانية " ، أوغيرها من كتب الأديان أو الموسوعات .

قال الدكتور ( ص 120-146) :
( اجتازت العقيدة المسيحية مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى من بعثة المسيح إلى مجمع نيقية سنة 425م، والمرحلة الثانية من مجمع نيقية إلى الوقت الحاضر. وسنتكلم على كل مرحلة منهما على حدة:

المرحلة الأولى: من بعثة المسيح إلى مجمع نيقية سنة 325م:
كانت المسيحية في فاتحة هذه المرحلة –كما ينبئنا القرآن- ديانة توحيد تدعو إلى عبادة إله واحد، وتقرر أن المسيح إنسان من البشر أرسله الله تعالى بدين جديد وشريعة جديدة كما أرسل رسلاً من قبله، وأن الإرهاصات التي سبقت بعثته والمعجزات التي ظهرت على يديه بعد رسالته هي من نوع الإرهاصات والمعجزات التي يؤيد الله تعالى بها رسله، وأن خلقه بدون أب ليس إلا إرهاصاً من هذه الإرهاصات، وأن أمه صديقة من البشر قد كرمها الله فنفخ فيها من روحه فحملت بالمسيح.

ولكن لم تمض بضع سنين على رفع المسيح حتى أخذت مظاهر الشرك والزيغ والانحراف تتسرب إلى معتقدات بعض الفرق المسيحية، وافدة إليها أحياناً من فلسفات قديمة، وأحياناً من رواسب ديانات ومعتقدات كانت سائدة في البلاد التي انتشرت فيها المسيحية والتي احتك بأهلها المسيحيون.

فانقسم حينئذ المسيحيون إلى طائفتين: طائفة جنحت عقائدها إلى الشرك بالله؛ وطائفة ظلت عقائدها محافظة على التوحيد، وضم كل طائفة من هاتين الطائفتين تحت لوائها فرقاً كثيرة:

( أ ) فمن أهم الفرق التي انحرفت عقائدها في هذه المرحلة : فرقة المرقيونيين ، وفرقة البربرانية ، وفرقة الأليانية ، وفرقة التثليث .

1 - أما فرقة "المرقيونيين" فإنها تنسب إلى مرقيون أو مرسيون Marcion وهو من رجال القرن الثاني الميلادي، وكان قسيساً، ثم حكم عليه بالطرد والحرمان، ويقوم مذهبه على الاعتقاد بوجود إلهين: أحدهما الإله العادل Dieu Juste أو الإله ديميورج Demiurge أي الخالق والمهندس، وهو الإله الذي اتخذ من بني إسرائيل شعباً مختاراً وأنزل عليهم التوراة، والآخر الإله الخير Dieu Bon الذي ظهر متمثلاً في المسيح وخلص الإنسانية من خطاياها، وقد كان للإله الأول السلطان على العالم حتى ظهر الإله الثاني فبطلت جميع أعمال الإله الأول وزال سلطانه.

ومن ثم يقوم هذا المذهب على اطراح العهد القديم (كتب اليهود المقدسة) في جملته وتفاصيله، ولا يعترف كذلك بمعظم أسفار العهد الجديد، والأسفار القليلة التي يعترف بها من أسفار هذا العهد، وهي إنجيل لوقا ورسائل بولس، لا يعترف بها إلا بعد أن يدخل على نصوصها تغييرات كثيرة تخرجها عن أوضاعها ومدلولاتها الأولى.

ولعل هذا المذهب متأثر بالديانة الزرادشتية الفارسية في مراحلها الأخيرة، فقد انتهى الأمر بالزرادشتيين إلى الاعتقاد بوجود إلهين، إله للخير وكانوا يسمونه أهورا مزدا، وإله للشر وكانوا يسمونه أهريمان.

وعلى الرغم من الحرب الشعواء التي شنتها الكنيسة على هذا المذهب فإنه قد انتشر وتبعه خلق كثير في إيطاليا وأفريقيا ومصر، وظل كذلك حتى منتصف القرن الثالث، أي حتى انتهاء المرحلة التي نتحدث عنها، ثم أخذ يضمحل ويتناقص اتباعه تناقصاً كبيراً، ولكنه لم ينقرض انقراضاً تاماً إلا حوالي القرن العاشر الميلادي.

2- وأما فرقة "البربرانية" فكانت تذهب إلى القول بألوهية المسيح وأمه معاً، ويقرر ابن البطريق مذهب هذه الفرقة فيقول: "ومنهم من كان يقول إن المسيح وأمه الإلهان من دون الله وهم البربرانية، ويسمون الريميتيين". ولعل هؤلاء هم الذين يشير إليهم القرآن الكريم فما يخاطب به الله تعالى عيسى بن مريم إذ يقول: { وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ، وإذ يردّ عليهم في قوله: { ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } .

هذا، وقد أوشكت هذه الفرقة على الانقراض كذلك في نهاية المرحلة التي نتحدث عنها، وإن كان يبدو من ذكرها في القرآن أنه كان لا يزال لمذهبها اتباع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام (القرن السابع الميلادي).

3- وأما فرقة إليان فيؤخذ مما ذكره في صددها ابن البطريق والشهرستاني في الملل والنحل أنها كانت تؤله المسيح وتقرر أنه ابن الله وتصور حقيقته وحمل أمه به وقصة صلبه في صورة خاصة، فتذهب إلى أن مريم لم تحمل به كما تحمل النساء بالأجنة ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب.

وقد أوشكت هذه الفرقة على الانقراض في نهاية المرحلة التي نتحدث عنها، وإن كان يبدو مما ذكره الشهرستاني في صددها إذ يقول: "وهؤلاء يقال لهم الإليانية، وهم قوم بالشام واليمن وأرمينية"، أنه كان لا يزال لهذه الفرقة أتباع في مصر (القرن السادس الهجري والثالث عشر الميلادي).

4- وأما فرقة التثليث وألوهية المسيح فهي الفرقة التي تذهب إلى أن الإله ثلاثة أقانيم وهي الأب والابن وروح القدس، وأن الابن أو الكلمة هو المسيح، وكانت كنيسة الإسكندرية من أشد الكنائس تعصباً لهذا المذهب الذي أصبح المذهب الرسمي المقرر لجميع الفرق المسيحية بعد مجمع نيقية سنة 325م، كما سيأتي .

(ب) ومن أهم الفرق التي ظلت عقائدها محافظة على التوحيد فرقة أبيون وفرقة بولس الشمشاطي وفرقة أريوس.

1- أما فرقة أبيون أو الأبيونيين ؛ فكانت تقر جميع شرائع موسى، وتعتبر عيسى هو المسيح المنتظر الذي تحدثت عنه أسفار العهد القديم، وتنكر ألوهية المسيح وتعتبره مجرد بشر رسول.

2- وأما فرقة الشمشاطي فهم أتباع بولس الشمشاطي ، وكان بولس هذا أسقفا لأنطاكية منذ سنة 260م. وأنكر ألوهية المسيح وقرر أنه مجرد بشر رسول، وقد عقد بأنطاكية من سنة 264 إلى سنة 269 ثلاث مجامع للنظر في شأنه، وانتهى الأمر بحرمانه وطرده، وقد بقي لمذهبه أتباع على الرغم من ذلك حتى القرن السابع الميلادي.

3- وأما الأريوسيون فهم أتباع أريوس، وكان قسيساً في كنيسة الأسكندرية، وكان داعياً قوي التأثير، واضح الحجة، جريئاً في المجاهرة برأيه، وقد أخذ على نفسه في أوائل القرن الرابع الميلادي مقاومة كنيسة الإسكندرية فيما كانت تذهب إليه من القول بألوهية المسيح وبنوته للأب، فقام يقرر أن المسيح ليس إلهاً ولا ابناً لله إنما هو بشر مخلوق ، وأنكر جميع ما جاء في الأناجيل من العبارات التي توهم ألوهية المسيح.

وما زال مذهبه يضمحل ويتناقص عدد أتباعه حتى انقرض كل الانقراض في أواخر القرن الخامس الميلادي.

المرحلة الثانية: من مجمع نيقية سنة 325م إلى الوقت الحاضر:

في سنة 325م أمر قسطنطين إمبراطور الرومان بأن يعقد مجمع ديني يضم ممثلين لجميع الكنائس في العالم المسيحي للفصل في أمر الخلاف بين أريوس ومعارضيه، ولبيان أي الرأيين يتفق مع الحق، ولتقرير مبدأ صحيح يعتنقه المسيحيون فيما يتعلق بألوهية المسيح، ولاتخاذ ما ينبغي اتخاذه من قرارات أخرى في شئون العقيدة والشريعة، فاجتمع في نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، ولكنهم اختلفوا اختلافاً كبيراً ولم يستطيعوا الإجماع على رأي، ويظهر أن قسطنطين كان يجنح للرأي القائل بألوهية المسيح، فاختار من بين المجتمعين ثمانية عشر وثلاثمائة من أشد أنصار هذا المذهب، وألف منهم مجلساً خاصاً وعهد إليهم أمر الفصل في هذا الخلاف واتخاذ ما يرون اتخاذه من قرارات أخرى في شئون العقيدة والشريعة، على أن تصبح قراراتهم مذهباً رسمياً يجب أن يعتنقه جميع المسيحيين، فانتهوا إلى عدة قرارات كان من أهمها القرار الخاص بإثبات ألوهية المسيح وتكفير أريوس وحرمانه وطرده وتكفير كل من يذهب إلى أن المسيح إنسان، وتحريق جميع الكتب التي لا تقول بألوهية المسيح وتحريم قراءتها.

وبذلك تقرر التثليث في الديانة المسيحية، وأصبح هو العقيدة الرسمية التي يجب أن يعتنقها كل مسيحي، ويحكم بكفر من يقول بغيرها، وأخذت المذاهب المسيحية الأخرى التي كانت منتشرة عند بعض الفرق المسيحية في المرحلة الأولى، والتي أشرنا إليها فيما سبق، تتلاشى شيئاً فشيئاً، ويتضاءل عدد أتباعها، حتى انقرضت كل الانقراض، سواء في ذلك مذاهب الفرق التي كانت محافظة على التوحيد، أم مذاهب الفرق التي انحرفت عن التوحيد إلى عقائد أخرى غير عقيدة التثليث، ولا نجد الآن أية كنيسة مسيحية ولا أية فرق من المسيحيين لا تقول بالتثليث، ولكنهم جميعاً، مع ذلك يتسترون وراء كلمات التوحيد، فيقولون "تثليث في وحدية" أو "وحدية في تثليث" !! مع أنه لا يمكن أن يكون التثليث وحدانية ولا الوحدانية تثليثا: { لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد } .

تقرر التثليث إذن في الديانة المسيحية على الوجه الذي سبق بيانه، وأجمع على اعتناقه المسيحيون جميعاً. غير أنهم مع إجماعهم على هذه العقيدة، قد اختلفوا فيما بينهم في أمور فرعية أخرى من عقائدهم وانقسموا إلى طوائف كثيرة، وأعطت كل طائفة لنفسها، نتيجة لهذا الاختلاف، لقباً خاصاً بها، ولكنها ما كانت تخرج في ذلك عن أحد لقبين وهما الكاثوليكية والأرثوذكسية.

فاختلفوا في طبيعة المسيح: هل طبيعته طبيعة واحدة لأنه إله؟ أم أن له طبيعتين طبيعة إلهية وطبيعة إنسية ؛ لأنه ابن الله وابن الإنسان معاً (فقد جاء من مريم، ومريم من البشر) فيكون بذلك قد اجتمع فيه اللاهوت بالناسوت على حد تعبيرهم.

وقد أخذت بالمذهب الأول، وهو أن للمسيح طبيعة واحدة، وهي الطبيعة الإلهية، ثلاث كنائس صغيرة من الكنائس التي سمت نفسها الأرثوذكسية: إحداها الكنيسة الأرثوذكسية في مصر والحبشة (وتسمي نفسها كذلك الأرثودكسية المرقسية نسبة إلى الرسول مرقس صاحب الإنجيل، لأن بطاركتها يعتبرون أنفسهم خلفاء لهذا الرسول ). وثانيها الكنيسة الأرثوذكسية السريانية التي يرأسها بطريرك السريان ويتبعها كثير من مسيحيي آسيا، وثالثها الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية. ومع أن الأرمن يتفقون مع الكنيستين السابقتين في القول بالطبيعة الواحدة للمسيح فإنهم يختلفون عنهما في بعض التقاليد والطقوس، ولهم بطاركة يرأسونهم، ولا يندمجون مع الكنيسة السريانية ولا مع الكنيسة المصرية، وبذلك انفصلت هذه الكنائس الثلاث عن بقية كنائس المسيحيين .

وقد اكتسب هذا المذهب قوة بعد أن انتصر له في القرن السادس الميلادي داعية قوى الحجة، بليغ الأثر، جرئ في الجهر برأيه، اسمه يعقوب البرادعي ، حتى لقد أطلق على هذا المذهب اسم المذهب اليعقوبي وعلى أنصاره اسم اليعاقبة أو اليعقوبيين.

وأخذت بالمذهب الآخر، وهو أن للمسيح طبيعتين طبيعة إلهية وطبيعة إنسية، أي اجتمع فيه اللاهوت بالناسوت، جميع الكنائس الأخرى، وقرر هذا المذهب في صورة حاسمة في مجمع خليكدونية المنعقد سنة 451، فقد انتهى هذا المجمع بعد خلاف كبير بين أعضائه إلى القول بأن للمسيح طبيعتين لا طبيعة واحدة، وأن الألوهية طبيعة وحدها والناسوت طبيعة وحده التقتا في المسيح.

وقد انتصر الإمبراطور الروماني لهذا المذهب، بل إنه هو الذي عمل على اجتماع مجمع خليكدونية لينتهي إلى تقرير هذا الرأي في صورة حاسمة، ومن ثم يطلق على هذا المذهب اسم المذهب الملكي أو الملكاني نسبة إلى الملك أي إمبراطور روما.

ظهور " المارونية " :

وقد ظلت الكنائس التي تقول بالطبيعتين متحدة في جمع آرائها المتعلقة بشخص المسيح إلى أن ظهر في القرن السابع الميلادي (سنة 667) يوحنا مارون، فذهب إلى أن المسيح، مع أنه ذو طبيعتين، له مشيئة واحدة وإرادة واحدة وهي المشيئة الإلهية والإرادة الإلهية، لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد إلهي وهو الابن أو الكلمة، وقد شايعه في هذا الرأي بعض مسيحيي آسيا، ولم ترق هذه المقالة في نظر بابوات روما ورؤساء الكنيسة الكاثوليكية، فأوعزوا إلى الإمبراطور أن يجمع مجمعاً ليقرر أن المسيح ذو طبيعتين وذو مشيئتين بعد أن استوثقوا من أن الإمبراطور يشاركهم هذا الرأي، فاجتمع لذلك مجمع القسطنطينية السادس سنة 680م وكان مؤلفاً من 289 أسقفا وانتهى إلى إصدار قرار بكفر يوحنا مارون ولعنه وطرده وكفر كل من يقول بالمشيئة الواحدة .

وقد نزلت بعد ذلك بأصحاب المذهب الماروني القائل بالمشيئة الواحدة اضطهادات شديدة، فأخذوا يفرون بدينهم من بلد إلى بلد إلى أن انتهى بهم المطاف في جبل لبنان، واشتهروا بلقب المارونيين، وظلوا مستقلين في شئونهم الدينية إلى أن قربتهم إليها كنيسة روما فأعلنوا في سنة 1182 الطاعة لها مع بقائهم على مذهبهم القائل بالمشيئة الواحدة، ولا تزال هذه الطائفة متوطنة في جبل لبنان، وإن كان قد هاجر منها عدد كبير إلى قارة أمريكا وغيرها، ولها بطريرك خاص، وإن كان يقر بالرياسة لبابا الكنيسة الكاثوليكية بروما.

وقد ظلت الطوائف القائلة بالطبيعتين والمشيئتين متفقة في آرائها إلى أن نشب بينها في منتصف القرن التاسع خلاف بشأن الأقنوم الذي انبثق منه روح القدس، فذهب بعض الطوائف إلى أن انبثاق روح القدس كان من الأب وحده، وذهب بعضها الآخر إلى أن انبثاقه كان من الأب والابن معاً.

وكان ذلك سبباً في انقسام الكنائس القائلة بالطبيعتين والمشيئتين إلى كنيستين رئيسيتين:

إحداهما: الكنيسة الشرقية اليونانية؛ ويقال لها كذلك الكنيسة الشرقية فقط وكنيسة الروم الأرثوذكسية، وهي التي يذهب أتباعها إلى أن روح القدس منبثق عن الأب وحده، والمشايعون لها أكثرهم في الشرق وبلاد اليونان وتركيا وروسيا والصرب وغيرها.

وثانيتهما: الكنيسة الغربية اللاتينية، ويقال لها كذلك الكنيسة الغربية فقط، وكنيسة روما، والكنيسة الكاثوليكية، وهي التي تذهب إلى أن روح القدس منبثق عن الأب والابن معا، والمشايعون لهذه الكنيسة أكثرهم في الغرب في بلاد إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وأسبانيا والبرتغال وأمريكا الجنوبية وبلاد أخرى كثيرة.

ولما أحيط به رئيس كنيسة روما من تقديس بين مشايعيه وعند الملوك ورؤساء الدول، ولكثرة معتنقي مذهبه، تتساهل الكنيسة الشرقية فتعترف له بالتقدم لا بالسلطان.

ظهور " البروتستانتية " :

في أوائل القرن السادس عشر ظهر في العالم المسيحي، بجانب النحل السابق ذكرها، نحلة جديدة أطلق عليها اسم " البروتستانتية " أي نحلة الاحتجاج أو الاعتراض ، وأطلق على معتنقيها اسم "البروتستانت" أي المحتجين أو المعترضين. وقد دعا إلى ظهور هذه النحلة أمور كثيرة يرجع أهمها إلى مظاهر الفساد التي بدت في كثير من شئون الكنيسة الكاثوليكية ومناهجها وطقوسها، وما أحدثته من بدع، ومسلك قسيسيها والقوامين عليها، وإلى تحكمها في تفسير كل شيء، ومحاولة فرض آرائها على جميع أتباعها حتى الآراء التي لا علاقة لها بالدين ؛كالآراء المتعلقة بظواهر الفلك والطبيعة وشئون السياسة ونظم الحكم وما إلى ذلك.

لهذه الأسباب وأسباب أخرى كثيرة من هذا القبيل ظهر في القرن السادس عشر دعاة للإصلاح الديني وتخليص المسيحية من هذه الأدران، وتكونت من إصلاحاتهم نحلة جديدة هي النحلة البروتستانتية. وكان على رأس هؤلاء المصلحين مارتن لوثر الألماني ، وزونجلي السويسري ، وكلفن الفرنسي.

أما مارتن لوثر (1483-1546) فهو أسبقهم جميعاً وإليه تنسب النحلة البروتستانتية أكثر مما تنسب إلى غيره ، وقد ثار أول الأمر ضد صكوك الغفران وأعلن بطلانها وكتب في ذلك احتجاجاً علقه على باب الكنيسة (ومن ثم سميت نحلته بالبروتستانتية أي نحلة الاحتجاج أو الاعتراض). فأصدر البابا قراراً بحرمانه واعتباره كافراً زائغ العقيدة، فلم يأبه لهذا القرار بل عمد إلى الإنذار الذي أرسل إليه في هذا الصدد فأحرقه في ميدان من أكبر ميادين المدينة في جمع حاشد من الناس، فجمع البابا سنة 1520 مجمعاً قرر محاكمته، فلم يذعن مارتن لوثر لهذا القرار. ولما حاول الإمبراطور في سنة 1529 أن ينفذ هذا القرار ثار أنصار لوثر واحتجوا على ذلك (ومن ثم سمي أتباع هذه النحلة بالبروتستانت أي المحتجين). وأخذ لوثر من ذلك الحين ينشر مبادئه المعارضة للكنيسة الكاثوليكية، التي تكونت منها النحلة البروتستانتية. وأخذ الناس يدخلون في نحلته أفواجاً.

وأما زونجلي السويسري ((1484-1531) فقد ظهر في العصر نفسه الذي ظهر فيه لوثر ودعا إلى كثير مما دعا إليه لوثر في شئون الدين، وثار على صكوك الغفران وغيرها من مفاسد الكنيسة الكاثوليكية وتبعه كذلك خلق كثير. ولكنه مات قتيلاً في أثناء صراع وقع بين أنصاره وأنصار الكنيسة الكاثوليكية. وكانت دعوته منفصلة عن دعوة لوثر وإن التقت معها في مبادئها.

وأما كلفن الفرنسي (1509-1564) فقد قام بعد لوثر بالدعوة إلى البروتستانتية ونشر مبادئها وألف في ذلك بحوثاً ورسائل كثيرة نشر معظمها بعد فراره إلى جينيف بسويسرا. فإليه يرجع تنظيم البروتستانتية وتحرير مبادئها.

وقد انتشرت البروتستانتية في كثير من بلاد العالم النصراني ، ويعتقنها الآن معظم أهل ألمانيا والدانمرك وسويسرا وهولندا والسويد والنرويج وإنجلترا واسكتلنده وايرلندة الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية؛ وأخذت الآن بسبب جمعيات التنصير البروتستانتية وعظيم نشاطها وواسع إمكانياتها المالية وإخلاص رجالها لمبادئها، تغزو كثيراً من معاقل الكاثوليكية والأرثوذكسية، وتنتشر في السودان الجنوبي وأواسط أفريقيا والصين واليابان.

هذا، ولا تختلف البروتستانتية عن النحل السابقة فيما يتعلق بجوهر العقيدة،فهي مثلها تؤمن بالتثليث وألوهية المسيح وبنوته لله وصلبه وقيامته ورفعه وحسابه للعالم يوم القيامة وبأنه صلب لتكفير الخطيئة الأزلية التي ارتكبها آدم وعلقت بجميع نسله.. وما إلى ذلك من الأمور التي استقرت عليها العقيدة النصرانية.


وإنما تختلف البروتستانتية عن غيرها من النحل المسيحية بوجه عام وعن الكاثوليكية بوجه خاص في أمور فرعية من أهمها ما يلي:

1- تستمد البروتستانتية جميع الأحكام المتعلقة بالعقائد والعبادات والشرائع من الكتاب المقدس وحده، ولا تقيم لغيره وزناً في هذا الصدد إلا إذا كان تفسيراً معقولاً لما ورد في هذا الكتاب؛ على حين أن الكنائس الأخرى تستمد أحكامها من الكتاب المقدس ومن قرارات المجامع وآراء البابوات ورؤساء الكنائس، ومن ثم سميت الكنائس البروتستانتية الكنائس الإنجيلية لاعتمادها على الإنجيل خاصة وعلى سائر أسفار الكتاب المقدس بوجه عام، بينما سميت الكنائس الأخرى الكنائس التقليدية لاعتمادها على التقاليد المستمدة من المجامع ومن آراء رؤساء الكنيسة ، وجعلها لهؤلاء الرؤساء سلطاناً في تقرير حقائق العقائد والعبادات والشرائع.

2- لا تقرر البروتستانتية البابوية أو الرياسة العامة في شئون الدين، ولذلك ليس لكنائسهم رئيس عام كما هو الشأن في الكنائس الأخرى، وإنما تجعل لكل كنيسة بروتستانتية رياسة خاصة بها، وليس لها إلا سلطان الوعظ والإرشاد والقيام على شئون العبادات والواجبات الدينية الأخرى،وعلى تعليم مسائل الدين، ولا يسمون رجال الدين قسسا كما هو الشأن في الكنائس الأخرى، وإنما يسمونهم "رعاة" لأنهم يرعون تابعي كنيستهم ويؤدون لهم ما يجب على الراعي أن يؤديه نحو رعيته من واجبات.

3- ليس في البروتستانتية نظام الرهبنة، وهي لا تحرم الزواج على رجال الدين كما تحرمه الكاثوليكية على جميع الرهبان والقسس بمختلف درجاتهم.

4- تنكر البروتستانتية كل الإنكار أن يكون لرجل الدين الحق في غفران الذنوب في حالة الاحتضار وغيرها، وإنما تجعل ذلك الحق لله وحده، فيقبل إن شاء توبة العاصي ويغفر له ما تقدم من ذنبه، بل إن أهم ما اتجهت البروتستانتية في نشأتها إلى القضاء عليه هو ما كانت تزعمه الكنيسة الكاثوليكية لرجالها من السلطان في محو الذنوب، وما تبع هذا الزعم من نظام صكوك الغفران .

5- تقرر البروتستانتية أن الغرض من أكل الخبز وشرب الخمر في العشاء الرباني هو أن يكون وسيلة رمزية لتذكر ما قام به المسيح في الماضي ؛ إذ قدم جسمه للصلب ودمه للإراقة لتخليص الإنسانية من الخطيئة الأزلية ، ولتذكر ما سيقوم به يوم القيامة إذ يدين الناس ويحاسبهم على ما كسبت أيديهم، وبذلك تنكر البروتستانتية كل الإنكار ما تذهب إليه الكنائس الأخرى إذ تزعم أن ما تجريه على الخبز والخمر من طقوس يحولهما إلى أجزاء من جسم المسيح ومن دمه !

6- تنكر البروتستانتية إنكاراً باتاً جميع ما تقيمه الكنائس الأخرى للسيدة مريم أم المسيح من طقوس واحتفالات وعبادات وأعياد، وتعتبر ذلك خروجاً على أصول الدين.

7- تحرم البروتستانتية ما تسير عليه الكنائس الأخرى من وضع الصور والتماثيل في أماكن العبادة واتجاه المصلين لها بالسجود، معتمدة على تحريم التوراة لذلك وعلى أن شريعة موسى شريعة للمسيحيين إلا ما ورد نص صريح من المسيح بنسخه أو تعديله.

8- تحرم البروتستانتية أن تقام الصلاة بلغة غير اللغة المفهومة للمتعبد، كما تفعل الكنائس الأخرى التي تقيمها بلغة ميتة كاللاتينية والقبطية .


Info: نقلا عن موقع طريق الإسلام - كتبه سليمان الخراشي
2008-04-22 12:29

يوجد 96 سؤال